أبو الحسن الشعراني

200

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

الناس على ما لا يعرفون . وهذا لا يدل على عدم وجود جهة الحسن في الأفعال ذاتا . فإن قيل ظاهر الآية عدم العقاب حتى على ما يعرف العقل جهة حسنه . قلنا : أولا هذه مسائل عقلية لا يحتج عليها بظواهر الألفاظ ، إذ يمكن أن يكون المراد من لفظ الآية الكريمة ما هو الغالب من خفاء جهات المحاسن والمقابح . وثانيا أن عدم العقاب أعم من عدم الاستحقاق ، فلعله لا يعذب تفضلا . وثالثا أن ظاهر سياق الآية أن المراد منه العذاب الدنيوي الذي كان يعذب به الأمم السابقة ، ولا يدل عدمه على عدم المؤاخذة مطلقا . ورابعا قام الدليل على ثبوت العقاب قبل الشرع قال تعالى : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . « 1 » واجمعوا على عذاب الكفار لأنهم لم ينظروا في أدلة النبوة وصحة المعجزة وأمثالها وهي واجبات عقلية لا شرعية . والجواب عن الثاني أن اختلاف الناس في حسن بعض الأفعال أو قبحها كاختلافهم في كثير من الأمور التكوينية لا يوجب الحكم بعدم قدرة العقل على إدراك شئ منها ، فاختلافهم في قبح ذبح الحيوان نظير اختلافهم في أن كل موجود محسوس وفي مكان ، وكل جسم يميل إلى السفل ، ولو كان الاختلاف دليلا على عدم صلاحية العقل للادراك لوجب الاعراض عن جميع العلوم ، لاختلاف العقلاء في بعض مسائلها .

--> ( 1 ) - سورة التكوير ، الآية : 8 .